السبت، 19 سبتمبر 2009

الحاكم والمحكوم ما بين الحرية المسئولة والفوضى




سيكولوجية السلطة .. العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم .. نوازع المتسلط ودوافع ظواهره السلوكية .. السلوك الإرتدادي للمحكوم ونظرته للحاكم .. متى ولماذا يتقبل ما يتم فرضه ومتى يثور .. قضايا شائكة وبحاجة الى اكثر من مقالة او موضوع عابر .. وبحاجة ايضا الى قليل من ( التجرد ) واقصاء الخبرات السابقة.
حسنا .. من الأفضل ان نتناول الظاهرة من اساسها المجرد .. السلطة بوصفها علاقة ثنائية بالضرورة تستلزم حاكم ومحكوم .. سلطوي ( وليس متسلط ) ومنفعل للسلطة او يقع تحت مسارها.
السلطة بوصفها تجسيد للقيادة او الحكم او حتى السيطرة والهيمنة ( في معناها الأسوأ ) تستلزم من ضمن أدواتها القانون او الأعراف او الأحكام التي تقوم بتسييدها بصورة عامة ومتساوية للجميع ( في حالة السلطة النزيهة ) ولكن هل تكفي النزاهة بمعناها الذي ينبذ المحاباة .. طبعا لا .. فيجب ايضا ان تكون تلك القوانين ( أداة السلطة ) محل موافقة المجموع ( او اغلبيته بالمعنى الديمقراطي ) سواء عن طريق المشاركة في وضعها او تأييدها بحكم الإختصاص وهو ما يحدث الآن بصورة غالبة في المجتمعات او (التجمعات) التي تنتهج آلية ديمقراطية.

المحكوم
والآن الى الجانب الآخر من المعادلة .. المحكوم .. وهو من تمارس عليه السلطة أدواتها وآلياتها التنظيمية .. من نافلة القول التأكيد على طبيعة احسبها غريزية للعقل او الذات الواعية وهي التمرد بصورته القبلية ورفض الهيمنة والحد من القيود والحريات .. جميل .. ولكن هل هناك قانونا مهما كانت عدالته وخلوه من الثغرات ينجح في تحاشى منح هذا الشعور بالتقييد في نفوس المحكومين .. اجيب بيقين لا .. فالقضية نفسية في الأساس والقانون طالما كان بصيغة جيدة وبعيدا عن المماحكة مع ذواتنا ولا نتضرر منه او يطالنا يكون ممتازا او بمعنى اصح كأنه غير موجود اصلا .. الإشكالية او لنقل الشعور بالتقييد والتسلط ومحاولة فرض الآخر لرأيه تبدأ عندما يصطدم الفعل او القول الذاتي للفرد بما هو موجود من قوانين او آليات تحكم المجتمع او التجمع الواقعي او الإفتراضي .. فتكون النتيجة هي اما ان تنجح فكرة او قيمة ( اعلى ) في السيطرة والحد من التعبير عن التمرد او العصيان بوعي المحكوم ولتكن مثلا قضية كالحرية المسئولة او الإلتزام او الجهد التنويري .. او ينزلق الوعي الى ممارسة تمرده ( المشروع بالمناسبة ) على ما يراه تقييدا لحرية فعله او قوله اما درجة وقوة ومسار هذا التعبير يكون محددا بعوامل كثيرة منها درجة استيعاب المتمرد وصفاته الإنفعالية ومدى حرصه على البقاء ضمن المجموع فضلا عن إخلاصه واقتناعه بما سبق ذكره من قيم وافكار اعلائي.

السلطوي
نعود مرة اخرى الى السلطوي .. ولنتناول تلك المرة شقه الأسوأ وهو ( التسلط ) بوصفه تطرفا في استخدام السلطة ومحاولة فاشية نحو القمع او فرض الذات على الآخر بما يلغي وجوده او على الأقل يهمش رأيه ويقصيه
ماهي ملامحه؟ وكيف يمكن لنا توصيفه بصورة صحيحة دون الإنزلاق الى خطأ المغالطة او التطرف الموازي في النقد ومن ثم التمرد!
ملامحه دوما تشكلها القرارات الفردية والتي تصدر بصورة مفاجأة ودون تنسيق او محاولة لإشراك الآخر في صياغتها .. واهم خطيئة يقترفها هي عدم العدول عن رأيه ابدا حتى ولو تبين له بصورة واضحة خطأه فضلا عن إضراره بالمجموع .. حسنا .. وهل يندرج تحت بند المتسلط القائد او السلطوي الذي يصر على تطبيق ما هو راهن من قوانين والتزامات .. اؤكد لا .. بل على العكس .. يكون من صميم عمله وأولوياته هو الحفاظ عليها والحرص كل الحرص على تفعيلها وعلى الجميع وبالطبع نفسه .. وان حدث العكس يتحول الى النقيض المقابل للتسلط وهو التسيب او عدم الأهلية مما يوجب اقصائه ايضا .. اذن من الواضح ان السلطة الأرقي هي لاعب سيرك ماهر يسير على حبل رفيع مشدود ما بين التسلط والتسيب!

نحو نظرة اعمق لقيمة الحرية
الحرية المطلقة حلم اجمل .. لكنه للأسف مستحيل .. خاصة في ظل وجود تعقيدات مجتمعية واعتبارات مشتركة وإرادات مختلفة بطبيعتها .. كل القوانين والفلسفات حاولت جاهدة التوصل الى صيغة كونية يتم من خلالها إرضاء الجميع وتحقق حرية الجميع .. وفشلت واتوقع ان تفشل ومصدر الفشل ليس متعلقا بخلل في الحرية بل هو متعلق بطبيعة النزاع والإختلاف البشرية .. حتى يوتوبيا افلاطون وتوماس مور وغيرهم لم تنجح في منح ايقونة الحرية المطلقة للجميع لاستحالتها.
لكن يبقى هناك الحد الأدنى من التوافق والمواءمة وهو ما يسمى بالحرية المسئولة .. والتي تعني في ابسط تعريفاتها هو ممارسة حريتك بما لا يتقاطع او يتعارض مع حريات الآخر .. والجميع انا وانت والآخر وحرياتنا هي قيد تنظيم وانصهار ببوتقة تسمى القوانين العامة التي تم الموافقة عليها سلفا من قبل اغلبية واعية .. بينما التمرد رغم كونه قيمة تؤرق دوما اي سلطة مهما بلغ كمالها حقا اصيلا للذات الواعية بل وعامل تميز ودافع للإبداع .. ولكن شريطة ان لا تتحول الى فوضوية وعامل هدم .. هدم للذات قبل الآخرين. .

ليست هناك تعليقات: