السبت، 8 أغسطس 2009

الله في حقيقته هو الإنسان

مقدِّمة في ضرورة ممارسة الوعي الكوني 

أحمد الخيّال

8/8/2009

فكرةُ الإله (أو الآلهة) فكرةٌ تطورتْ بتطور العقل البشري على امتداد الزمن، بدءًا من تقديس الظواهر الطبيعية ومحاولة استرضائها بتقديم القرابين وإقامة الطقوس الدينية السحرية. وكلما ارتقى الجنسُ البشري قليلاً على سلَّم المعرفة تطورتْ معه فكرتُه عن الإله وشكلُ علاقته به: فمن الطوطمية، إلى التعددية (مجمع الآلهة الإغريقي، مثلاً)، إلى بذور فكرة التوحيد الفرعونية (ممثلةً في أخناتون وعبادة "آتن" الشمسية)، وأخيرًا وليس آخِرًا، الإله في طبعته الأخيرة بنسخته الإبراهيمية.

أشواط التطور تلك في فكرة الإله، بالطبع، لم تشكِّل مراحل حادة في تميُّزها وتدرُّجها، بل تداخلتْ معها انتكاساتٌ فيها مزجٌ بين العديد من أشكال العبادة. ولكنْ بقي الأمرُ في كلِّ الأحوال مرتهنًا للثقافة والمعرفة البشرية السائدة، المحكومة بما يفرضه الزمانُ والمكان، وأيضًا الحاجةُ البشريةُ التي تحدِّد صورةَ ذلك الإله وماهيتَه بناءً على تنوع رغبات تلك الحاجة في المقام الأول. يقول فويرباخ في كتابه جوهر المسيحية:
"إن اللاهوت هو الأنثروپولوجيا، وإن ما يتبدَّى في الدين كربٍّ ليس سوى جوهر الإنسان نفسه."

بذلك تتحول عبارة إن الرب "خلق الإنسان على صورته" (سفر التكوين التوراتي) لتكون: إن الإنسان هو مَن خلق ربَّه على صورته (ڤولتير). ومعنى تلك العبارة هو أن حقيقة فكرة الإله في اللاوعي هي إرهاصاتُ تصوُّر الإنسان ذاته عن جوهره، ولكن في صورة تَعالٍ ومفارقة، تجسيدًا لكائن علوي أسماه "الرب" أو "الإله".

حسن إذن: بات واضحًا الآن أن الإنسان هو المبتدأ والمنتهى. وحتى عندما نكون في صدد تعريف أكثر أشكال الوجود تعاليًا عنه ومفارقةً له – وهو الإله – نسأل: مَن هو هذا الإنسان؟ وهل نستطيع حقًّا أن نجيب عن هذا السؤال؟

قرد أم ملاك؟
كانت هذه هي الأطروحة الأشهر منذ العصر الڤكتوري كلما طاول الحديثُ محاولةَ وضع تعريف بالإنسان يرتكن في صورة واضحة على ما اصطُلِحَ على تسميته بالأخلاق. ولعلَّه رَجْعُ صدًى لتساؤل داوود الشهير في مزموره الثامن عن ماهية الإنسان، الذي انتهى، بطبيعة الحال واتساقًا مع مساره، إلى أن الإنسان هو كائن "دون الإله قليلاً" وهو "مكلَّل بالمجد والكرامة". فهل يصلح ذلك الحكمُ الطوباوي الميتافيزيقي للحكم على الإنسان التعس، مفجِّر الحروب وصانع القنابل الذرية، السفاح المغتصب الذي "يفسد في الأرض ويسفك الدماء" (سورة البقرة 30)؟

في الواقع، جاءت النتيجة، في المقابل، أن الإنسان هو كائن أرقى من الحيوان قليلاً. و"قليلاً" تلك قد تصلح مبررًا لأكثر توجهات الجنس البشري ونشاطاته علوًّا وارتقاءً: إنه ذلك الوعي المزدوج بتجاوُر وجود القرد ووجود الملاك في الإنسان، وبمحاولة "قتل" القرد وتمثُّل صفات الملاك (أو الإله)، الذي هو في حقيقته الإنسان.


القرد (أو الشيطان) هنا يجب عدم النظر إليه على أنه موجود حقيقي أو ميتافيزيقي، وبالتالي يتطلب وجود الندِّ أو الضدِّ له، أي الإله (أو الملاك)، بينما يصبح الإنسان، كما قدَّمتْه الكتبُ المقدسة، مجرد "ميدان صراع" بين الخير والشر في اختبارٍ يستتبعُه ثوابٌ أو عقابٌ أبديان؛ بل إن هذا القرد (أو هذا الشيطان) هو ذلك الإنسان الأول، البدئي، الذي "قتله" الإنسان، أو لنقل في عبارة أكثر علمية، إنه قدتجاوَزَه ليخلق نفسه من جديد. وهذا الخلق الذاتي هو عملية تتصف بالاستمرار واللانهائية، لكنها، لسوء الحظ واتساقًا مع طبيعة الاختلافات بين البشر، تمضي دومًا في مسارات غير متساوقة، أي لا يتساوى البشر جميعًا في تحقيقها أو حتى الرغبة فيها. وهذا، في جوهره، أعمق سبب ممكن لتبرير الصراع!

عندما أعلن نيتشه موت الإله
موت الإله النيتشوي قد يكون تبشيرًا بتجسد ذلك "الإنسان الأعلى" وتحقُّقه، الإنسان الواعي بمقدراته وجوهر إنسانيته، ذلك الكائن الذي يمارس ماهيته من خلال وجود حقيقي، لا "وجود زائف" بالمفهوم السارتري، أي من خلال وعي كامل ونافذ لأعماق الوجود الشامل ولمسارات المعرفة أيضًا.

والسؤال الأكبر هو عن كيفية هذا التحقق. والجواب عنه لن أدَّعي أن تلك السطور القليلة سوف تمنحه لقارئها، كوني أؤمن يقينًا بأن جلَّ فلسفات الجنس البشري، في انكساراته أو في نقاط إشراقه، كانت محاولاتٍ لتقديم الإجابة عن هذا السؤال، في صورة أو في أخرى، واعية أو حتى غير واعية. ما يمكن لي التأكيد عليه فقط هو أن في الاهتمام لتعاطي هذا السؤال بدايةَ الطريق نحو هذا التحقق، هذاالخلق الذاتي اللانهائي من الإنسان نحو الإنسان، أي نحو نفسه.

وأنا هنا لا أتحدث عن أطروحات حالمة تتطلب من معتنقيها اهتمامًا بالآخر على حساب الذات، لا بل تفترض هذا الارتباط بالآخر في إطار علاقة تبادُل للمصلحة مبتذلة في مضمونها هي، في حقيقتها، نمط من أنماط تعبير الذات عن أنانيتها ولهاثها الأبدي وراء اجتلاب اللذة وتجنب الألم.

أنا أتحدث، أو أحاول أن أتحدث، عن وعي كوني وممارسة وجودية حقيقية ودوافع ذاتية للارتقاء تخرج بالنوع البشري من دائرة ضيقة – هي، قياسًا إلى صيرورة الوجود الكوني، "لاشيء" بالمعنى الحرفي للكلمة – نحو تمثُّل هذا الوجود نفسه والشعور الكلِّي به ومحاولة تغييره وتطويره. إنه خروج بالسبب والهدف من ابتذال قسمة ميتافيزيقية في أساسها، تتمحور حول اللذة والألم وحسب، نحو مسار وحيد صاعد ليس في داخل الوجود، بل في الوجود نفسه!