الجمعة، 29 أغسطس 2014

كما يليق بصانع ساعات أعمى


    كما يليق بصانع ساعات أعمى



كبورتريه مفعم بجماليات الضوء لروبنز كانت تقبع في ذلك الركن المفضل من المقهى مستندة بظهرها للجدار.. لم يكن هناك شيء في الطاولات المتسخة والمقاعد المتهالكة ينجح في تصدير الأمل.. لولا عيناها تحدقان في المدى بإصرار الانتظار.

 في وقت مضى.. وعلى مسافة خيبة أمل من الجرح.. أكدت لأنثى العنكبوت معنى أن ينتظر المرء في الفراغ لاجدوى الأحلام.. وكيف انه وقتها تتساوي جميع الاحتمالات.. تتساوى بصورة تخرج بالممكن من دائرة الواقعي ليعانق الخيالي فينسكب المشهد بأكمله ركيكاً يبعث على الغثيان.
عادة ما توخزني مثل تلك الأفكار كألم أسنان وقح يعلن عن نفسه فجأة بمنتصف الليل.. لكنه سحر الاعتياد !

-
عيناكِ دافئتان..
هذا ما لم تسمعه من شفتيّ.. لكنها قرأته بلهفة عينيّ لمعانقة هذين القمرين الزبرجديين السابحين بفضاء أبيض. 
- هل تدرين؟ كنت حقاً معجباً بكِ منذ اللحظة الأولى.. الصدام الأول.. المزحة الثقيلة الأولى.. وشكراً لكِ فعلاً كونك منحتي الحياة فرصة ثانية كي تجرب لذة لقائنا
-
 الأمر لا يستحق.. لكن.. أتدري؟ نعم معك حق !
تبتسمين وأبتسم.. تضحكين.. فأغيب أنا في تفاصيلك تزرع بهجة حقيقية بحقول دهشتي.

آمنت أن "بينيلوب" كانت نادرة الجمال.. وبرغم ذلك حاولت مراراً أن اصدق ما اختار "أوديسيوس" مواجهته في سبيل عودته ولم استطع.. حتى في سبيل مملكتي المسلوبة هل كنت سأغامر بدخول العالم الآخر من اجل اقتناص الزهرات المقدسة؟ اغلب الظن أنني كنت سأستقر بقاع نهر المجون حيث تغمس "السيرانات" أردافها الفضية في غواية الموت. 

عالمك له سحره غير الأسود.. استلاباً وردياً.. وبرغم وفرة عوالمي فقد كنت دوماً قادراً على اقتناص الاختلاف.
فكرت كثيراً في تفاصيلك الرديئة أعترف.. وهي رديئة لأنها تمعن عني في الاختباء، ترى.. هل سيستوعب مدى جنونك رغبتي الأولية في تذوق منبعك؟ في أن أخبرك بأفضل برهان غير فلسفي لماهيّة وملامح ما يتلبسك من شبق؟

يدعي البعض ان "هوميروس" لم يكن أعمى.. ويتحججون بدقة وصفه لسهول ومدن وجبال.. لم يكن ذلك يوماً دليلا مقنعاً لديّ.. وأنا الذي جربت كثيرا أن أتلصص بعتمة الغياب.

عندما تتمايلين كزهرة لوتس مقلوبة وقت هبوب رياح اللقاح فتورق ظلالك على حوائط معابد قديمة وتحتلين المدى. يهرع كهنة البغاء المقدس ليلتقطوا عملات استقرت بين فخذي آخر امرأة منحت سرها لأول غريب.

لا تزعجني حقيقة أنني لست الأول وتنجحين في منحي الشعور بأنني لست غريباً.. لكنني اعترف ( ثانية ) أنني اشتهي أن أكون الأخير.. وان تكوني.

مازلت لا اصدق كيف اتهم أهل جزيرة "ليسبوس" المتفردة "سافو" بمجون الشذوذ.. هل كانت تلميذاتها بتلك الدرجة المؤلمة من الروعة؟

الدعم.. عنفوان المشاركة.. الوصايا البنفسجية.. الاستلاب المتبادل.. كلها تدرجات متفاوتة على معراج اليقين بجدوى الموائمة.
عندما أسترسلتي لم اندهش لكنني أعلنت عن إعجابي:
-
 قراءاتك تطمئني.. كتاباتك تبهجني.. استعدادك الحقيقي وانفتاحك يؤكد لي صواب الاختيار
كنت أثرثر بينما يهمس بأذني غبار التروس:
-       كل شيء تماماً كما جاء بتفاصيل الحلم.. وتلك حقيقة مفزعة !

دوما ما كنت اغرق في حيرتي ثم اردد لها :
-
 كيف تجرؤين على منحي سرك بينما لا تهتمين بمواقعة حرائقي المعلنة؟ دوماً ما كنت ادعوها لاقتراب مختلف.. ثم أعود لأغيب قبلها في اجترار الاعتياد.. في هوس ازرعه بأحشائها ويسكني كحريق.. في انطراح طوعي للعقل في سبيل الإنعتاق.. كانت كبدر لم يكتمل معلقا بسماء حائرة.. وكنت أنا كقوس قزح لا تمل غواية ألوانه أبدا عن إلحاح الممازجة.. كنّا بعبقرية التواطؤ المشترك نمضي.. لكنني كنت اعرف أنني بلحظة ما.. شهقة ما.. سوف يغلبني احتياجي لبدر مكتمل !

يدعي "هوميروس" ان "اوديسيوس" عندما أراد النجاة من سحر نداء عرائس البحر قام بصب الشمع في آذان بحارته بينما قام هو بربط جسده إلى صارية سفينته.. هل تساءل أحدكم يوما لماذا؟ لأنه منذ البداية لم يستطع مقاومة سحر أن يجرب هذا السحر.. انه الإلتعان بشهوة المعرفة.

عندما قررت أن أقترب في رداء الحياد كنت أدرك جيدا مدى عمق الهاوية، ورغما عن ذلك وفي رعونة صانع أعمى للساعات لم أهتم كثيرا لحقيقة أن البشر لا يقبلون على اقتناء ساعات تتراجع عقاربها للوراء.. ولا يفضلون ساعات الرمل إلا على طاولات تزين قاعات لم يعد يرتادها احد.
وبعزم الجنون كنت أبدد الزمن في محاولة إحتواء الزمن! تكاثرت الساعات.. وعلى اختلافها الذي توهمته في ولع التفاصيل البسيطة كان الزمن ذاته يعيدها لمتجر أوهامي كصنيعة منسوخة أكثر تشوهاً وأقل قدرة على إشباع شبق التجربة.


من عذاب اليقين ولد الثبات فاقتنصت لعنة الأبد.. صانع ساعات أعمى مصلوب بين تروس صدئة يعبأ أنينها المدى.. تردد بلا يأس وبلا أمل :
-
 لا وقت للوقت.. ولا مسافات للبعد !