السبت، 27 نوفمبر 2010

التنوير والإلحاد والإيمان .. علاقات شائكة




أحمد الخيّال
الأوان
27/11/2010




لنتذكر، أوّلا، ما المقصود بالتنوير:
يمكننا رد تلك القيمة الأعلى بمفهومها الحديث إلى حقبة مضيئة في تاريخ الجنس البشري، وهي ما تعرف باسم عصر التنوير ( أو الأنوار ) Age of Enlightenment والتي شهد القرن الثامن عشر اندلاع شرارتها وتوهجها على يد عقول حرة لفلاسفة ومفكرين وأدباء قاموا بالدفاع عن العقلانية ومبادئها كوسائل لتأسيس النظام الشرعي للأخلاق والمعرفة.. وذلك على الرغم من وجود إرهاصات سابقة على ذلك التأريخ لمحاولات كان فيها التنوير يسعى لبلورة مفهوم وأطر عقلية خاصة به تميزه وتحدّد مساراته.

ويحفظ لنا التاريخ أنّ (ديكارت René Descartes ) ذلك الفيلسوف الفرنسي الأشهر الذي عاش ما بين عامي (1596و1650) هو أوّل من استخدم مصطلح التنوير بمفهومه الحديث وذلك في معرض حديثه عن ( النور الطبيعي ) من حيث كونه في جوهرة هو تجسيد للحقائق التي يمكن للإنسان أن يقتنصها بواسطة إعمال عقله . إلا أنّ مفهوم التنوير الديكارتي لم يستطع التخلص من الأصداء الميتافيزيقية التي يحملها بطبيعة الحال.. ويمكن لنا أنْ نعتبر تلك المقالة الصغيرة التي قام بكتابتها الفيلسوف الألماني المفصلي ( إيمانويل كانط ) تحت عنوان ( ما هو التنوير؟ ) بمجلة برلين عام 1784 هي بداية الفصل التامّ والواضح الصارم ما بين التنوير كمسار عقلانيّ حرّ وما بين اللاهوت المسيحي وملحقاته من هيمنة لرجال الكنيسة وسطوة الخرافة والجهل . يقول كانط : " التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي اقترفه في حقّ نفسه.. وهذا القصور هو بسبب عجزه عن استخدام عقله إلا بتوجيه من إنسان آخر.. ويقع الذنب في هذا القصور على الإنسان نفسه عندما لا يكون السبب فيه هو الافتقار إلى العقل .. وإنما إلى العزم والشجاعة اللذين يحفزانه على استخدام عقله بغير توجيه من إنسان آخر.. "

والملاحظ في هذا التعريف الكانطي أنّ الإنسان هنا يمتلك قابلية طبيعية للتفكير ثمّ الاحتكام إلى هذا التفكير .. إلا أنّ ما يعوق هذا التفكير هو عدم الثقة بعقله كمحك ومعيار مما يجعله يلجأ إلى الارتكان على المقولات والمؤسسات التقليدية التي تتحمل عبء تلك الحرية المفزعة عنه .. سواء كانت دينية أو سياسية أو حتى اجتماعية. وأيًّا كان الأمر، فإنّ في هذا الإعلاء من قيمة العقل الإنساني ردّ اعتبار بعد طول استلاب وتهجين وأدلجة ممّا يؤطر لقيمة التثوير كمنتوج منطقيّ، وهو ما كان بعد ذلك في نموذج الثورة الفرنسية مثلا والتي استلهمت مبادئها من عصر التنوير بوهجه العقلاني النازح نحو التحرّر وإقصاء التقليدي والرجعي والظلاميّ. ولكن هل التنوير هو فعل فردي ذاتي يتعلّق بمدى قابلية واستعداد كلّ شخص بحسب مكوناته الداخلية وظروفه الخارجية أم هو ضرورة تاريخية حتمية بالنسبة للجماعات والشعوب ! محاولة الإجابة على هذا السؤال ستقودنا تلقائيا إلى ضرورة معرفة علاقة فعل التنوير ذاته بكل من الإلحاد والإيمان.

التنوير والإلحاد :
ثمّة فروق عديدة وجوهريّة ما بين الإلحاد والتنوير. فالإلحاد هو موقف شخصيّ وقضيّة ذاتية للملحد رافضة للمقدّس وملحقاته ( الله، أديان، جنة، ونار ) قد تبنّى على العلم والعقل وتفعيل المنهج النقديّ أو على العاطفة والتجارب الشخصية السيئة وربّما كردّة فعل متمرّدة على إحساس الملحد بتقييد حرّيته. بينما التنوير هو مسار وجهد نهضوي يضع دوما أمامه الآخر سواء كمجتمع أو كفرد، وهو فعل إصلاحي شامل لجميع مناحي الفكر والحياة ويجب أن يكون دوما بنّاءً كي يستحقّ وصف التنوير الحقيقي لا الزائف. التنوير يحتوي الإلحاد وغيره، بينما الإلحاد هو مجرد موقف فكري أو شخصي من المقولات السابق ذكرها، وهو في أفضل وأعلى ممارساته تفعيل لقيمة العقل والعلم القصوى. ليس كلّ ملحد تنويريّا. وليس كلّ تنويريّ ملحدا. هذه هي القضية، ببساطة .

التنوير والإيمان:
التنوير الحقيقي ليس توجيها للعقل أو ممارسة للنقد بالإنابة عن الآخر وليس (فقط) تمحورا حول نقد الأديان، بل هو في الأساس زرع لقيم العقل والنقد وتعريف بالحقوق والواجبات. إنْ يقتصر الجهد التنويري على نقد الأديان والهجوم عليها مهما كان محمولا فوق موضوعات ودراسات غاية في العقلانية والعلميّة والتماسك اللفظي والمنطقي فهو مسار تنويري ناقص لا يعني بتقديم البديل العقلاني، وهو مجرّد هدم حتى وإن كان مطلوبا إلاّ أنّه ينقصه توازي البناء. إنّ التنوير لا يحمل بين طيّاته رغبة جوهريّة في القضاء على الأديان، بل هو فقط يسعى نحو نزع المسارات الإقصائية منه وجعله ( كالإلحاد ) قضية شخصيّة لا يتدخل في مقدرات الشعوب وحياتهم ويتحكم في موقفهم وعدائهم او انسجامهم مع الآخر على خلفية مسبقة من مذهب أو طائفة أو عرق . هذا الطرح، أيضا، يتّسق مع حقيقة تقول إنّه - حتّى لو كانت الأديان نتاجا بشريّا - فقد تم إفرازها من الوعي البشري لتحسين وضعه على الأقل في ما يتعلّق بالشقّ الاجتماعي والأخلاقي، وبالتالي يمكن التعامل معه في أدنى الحالات على أنّه ميراث فكريّ للعقل البشري يخضع للنقد والتحييد أو الاستفادة. وهذا هو المقصود تماما بالقراءة العصريّة للموروث الديني. التنوير هو ممارسة إنسانية مفتوحة من الجميع على الجميع بما فيه خير الجميع. بينما وعلى الجانب الآخر يجب أن يعي المؤمن جيدا أن الآلهة والأنبياء والأديان وكلّ مقدّس ليست بحاجة إلى سيوف تدافع عنها بقدر ما تحتاج إلى عقول تنويرية كي تنزع منها مسارات الإقصاء وتجعلها أكثر قابلية لتقبل الآخر وأكثر قدرة على ممارسة النقد الذاتي وبالتالي أكثر موائمة للإسهام في انتشال مجتمعاتنا المأزومة من نفقها المظلم الغارقة به الآن .

مؤمنون أو ملحدون:
لتتعاطى مع شعار التنوير على أنّه مجرّد المنهجيّة أو الشرارة الأولى لأي عمل نهضوي مبدع وخلاّق فالتنوير ليس فلسفة أو نسقا معرفيّا وهو بالتأكيد ليس خطة تمّ وضعها مسبقا مجربّة ومضمونة النجاح بأي مكان وزمان. هو مجرّد حالة تطوير تشي عن نفسها من خلال الإيمان بالقدرة على التغيير، وتتخذ لها تمظهرات متغيّرة. ولذلك فهو يتسع لكل ما أقوم بمحاولة إعادة صياغته من خلاله بقدر ما أشعر أنه واجب الاهتمام أو دافع للنهضة.

بصورة أوضح، محو الأميّة تنوير. جمعيات حقوق الإنسان تنوير. الأدب والفنّ الهادف تنوير. السلوك الشخصي الراقي للفرد وسط محيطه تنوير. التظاهرات والحركات التحرريّة تنوير. وهكذا إلى لامنتهى تمظهرات للحالة التنويريّة. هنا، أيضا، أرجو أن تبرز ملاحظة أنّ التنوير يتمحور من وجهة نظري من خلال القاعدة لا رأس الهرم، وعن طريق دفع مساعد لتنظيمات جماعيّة أو جهود فرديّة تنتمي لنفس المجتمع وتشعر باحتياجاته. والتنوير كما أنّه سبب فهو أيضا، نتيجة. فهو بلورة لوعي فردي وجمعي بضرورة التغيير. وهو منتوج إرهاصات وتجارب للشعوب ما بين الأزمات والصدمات والانتكاسات والانتصارات والإشراقات. وهو في الأساس وعي باللحظة الراهنة، أي تجاوز للماضي دون تجاهل أو إقصاء، ووعي بالحاضر بمتطلباته وأزماته وخصوصيّة مرحلته، واستشراف للمستقبل يتّصف بالشجاعة والثقة في القدرة على التغيير الذاتيّ.

الأحد، 20 سبتمبر 2009

يحدث احيانا في ليلة العيد


يحدث احيانا في ليلة العيد ان يجتمع كل افراد الأسرة حتى الغائب منهم والشارد في جو دافيء ربما لا يتكرر طوال السنة بما تحمله من مشاغل ومفرقات ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يطل طفل صغير بابتسامته الصاخبة على الضيوف وهو يرتدي ملابسه الجديدة مزهوا بينما تنهره امه برفق ان يعتني بها ويدخرها للغد كي يكون جميلا ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تقضي اسرة بسيطة ليلتها حتى الصباح في التسوق واكمال مستلزمات العيد من طعام وملابس فهو عامل بسيط لم يتم صرف مرتبه الا متأخرا وهي زوجة ابسط احترفت غزل الصبر ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تضج البارات بروادها بعد طول اغلاق قسري ويراق الأصفر والابيض والأحمر مع قهقهات ارتياح من عناء تظاهر طويل ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يحلم عاشق صغير بلقاء فتاته خلسة عن عين الأهل وبمساعدة صديقتها في احدي دور السينما لتعود الى منزلها تحمل رجفة لن تنساها بعدها ابدا طيلة حياتها ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تزدحم القرى بالعائدين مؤقتا الى مسقط رأسهم ويختلط عطر المدينة برائحة الخبز والقش المحروق بينما تلمع عيني امهات عجائز غير جميلات يتشحن بالسواد منذ سنوات طويلة ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يتذكر فجأة الصبية انهم بحاجة الى حلق رؤوسهم .. كي ملابسهم .. وان الوان الجديد منها غير متناسقة ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تخرج للطرقات العاهرات والمتسولون .. العشاق ورجال الأمن .. الأسر وباعة الوهم الجائلون .. يلتحم الجميع ويستوعب الجميع الجميع ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تتزين الحدائق وترتدي دور السينما افيشات افلام رديئءة صنعت خصيصا من اجل جمهور متحمس يقبل باي شيء وكل شيء ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يطمئن الأب على وضعية وعدد النقود الجديدة التي سيدسها في يد ابنائه بعد رجوعهم من دوار التكبير وفيض السلامات والتهنئات المتبادل بين الغرباء قبل الأصدقاء ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يعد باعة الصورايخ والبمب وغيرها بضاعتهم البسيطة من اجل الصباح حيث تجرب ايديهم الخشنة المعطرة بالعرق لذة ملامسة الورق الناعم الفاخر لتلك النقود ..
يحدث احيانا في العيد ان تتعطل شبكات المحمول وينشغل الهاتف لساعات فالجميع قد تذكر الجميع فجأة او هم بالأحرى كانوا بحاجة لمبررات محايدة كي يجهروا بالتذكر ..
يحدث احيانا في العيد ان لا يستطيع قاطنو الأحياء الشعبية من النوم حتى الصباح من حروب صغيرة تدور بالشوارع وصرخات فرح يرونها غير مبررة لكنها مقبولة دوما ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان تتكدس السيارات وتتعطل الطرقات بينما يزداد صوت ضربات ايدي باعة المناديل الورقية على زجاج السيارات المغلق في لامبالاة الإعتياد ..
يحدث احيانا في ليلة العيد ان يكون احدهم وحيدا فيجلس ليكتب عن ليلة العيد !

السبت، 19 سبتمبر 2009

الحاكم والمحكوم ما بين الحرية المسئولة والفوضى




سيكولوجية السلطة .. العلاقة ما بين الحاكم والمحكوم .. نوازع المتسلط ودوافع ظواهره السلوكية .. السلوك الإرتدادي للمحكوم ونظرته للحاكم .. متى ولماذا يتقبل ما يتم فرضه ومتى يثور .. قضايا شائكة وبحاجة الى اكثر من مقالة او موضوع عابر .. وبحاجة ايضا الى قليل من ( التجرد ) واقصاء الخبرات السابقة.
حسنا .. من الأفضل ان نتناول الظاهرة من اساسها المجرد .. السلطة بوصفها علاقة ثنائية بالضرورة تستلزم حاكم ومحكوم .. سلطوي ( وليس متسلط ) ومنفعل للسلطة او يقع تحت مسارها.
السلطة بوصفها تجسيد للقيادة او الحكم او حتى السيطرة والهيمنة ( في معناها الأسوأ ) تستلزم من ضمن أدواتها القانون او الأعراف او الأحكام التي تقوم بتسييدها بصورة عامة ومتساوية للجميع ( في حالة السلطة النزيهة ) ولكن هل تكفي النزاهة بمعناها الذي ينبذ المحاباة .. طبعا لا .. فيجب ايضا ان تكون تلك القوانين ( أداة السلطة ) محل موافقة المجموع ( او اغلبيته بالمعنى الديمقراطي ) سواء عن طريق المشاركة في وضعها او تأييدها بحكم الإختصاص وهو ما يحدث الآن بصورة غالبة في المجتمعات او (التجمعات) التي تنتهج آلية ديمقراطية.

المحكوم
والآن الى الجانب الآخر من المعادلة .. المحكوم .. وهو من تمارس عليه السلطة أدواتها وآلياتها التنظيمية .. من نافلة القول التأكيد على طبيعة احسبها غريزية للعقل او الذات الواعية وهي التمرد بصورته القبلية ورفض الهيمنة والحد من القيود والحريات .. جميل .. ولكن هل هناك قانونا مهما كانت عدالته وخلوه من الثغرات ينجح في تحاشى منح هذا الشعور بالتقييد في نفوس المحكومين .. اجيب بيقين لا .. فالقضية نفسية في الأساس والقانون طالما كان بصيغة جيدة وبعيدا عن المماحكة مع ذواتنا ولا نتضرر منه او يطالنا يكون ممتازا او بمعنى اصح كأنه غير موجود اصلا .. الإشكالية او لنقل الشعور بالتقييد والتسلط ومحاولة فرض الآخر لرأيه تبدأ عندما يصطدم الفعل او القول الذاتي للفرد بما هو موجود من قوانين او آليات تحكم المجتمع او التجمع الواقعي او الإفتراضي .. فتكون النتيجة هي اما ان تنجح فكرة او قيمة ( اعلى ) في السيطرة والحد من التعبير عن التمرد او العصيان بوعي المحكوم ولتكن مثلا قضية كالحرية المسئولة او الإلتزام او الجهد التنويري .. او ينزلق الوعي الى ممارسة تمرده ( المشروع بالمناسبة ) على ما يراه تقييدا لحرية فعله او قوله اما درجة وقوة ومسار هذا التعبير يكون محددا بعوامل كثيرة منها درجة استيعاب المتمرد وصفاته الإنفعالية ومدى حرصه على البقاء ضمن المجموع فضلا عن إخلاصه واقتناعه بما سبق ذكره من قيم وافكار اعلائي.

السلطوي
نعود مرة اخرى الى السلطوي .. ولنتناول تلك المرة شقه الأسوأ وهو ( التسلط ) بوصفه تطرفا في استخدام السلطة ومحاولة فاشية نحو القمع او فرض الذات على الآخر بما يلغي وجوده او على الأقل يهمش رأيه ويقصيه
ماهي ملامحه؟ وكيف يمكن لنا توصيفه بصورة صحيحة دون الإنزلاق الى خطأ المغالطة او التطرف الموازي في النقد ومن ثم التمرد!
ملامحه دوما تشكلها القرارات الفردية والتي تصدر بصورة مفاجأة ودون تنسيق او محاولة لإشراك الآخر في صياغتها .. واهم خطيئة يقترفها هي عدم العدول عن رأيه ابدا حتى ولو تبين له بصورة واضحة خطأه فضلا عن إضراره بالمجموع .. حسنا .. وهل يندرج تحت بند المتسلط القائد او السلطوي الذي يصر على تطبيق ما هو راهن من قوانين والتزامات .. اؤكد لا .. بل على العكس .. يكون من صميم عمله وأولوياته هو الحفاظ عليها والحرص كل الحرص على تفعيلها وعلى الجميع وبالطبع نفسه .. وان حدث العكس يتحول الى النقيض المقابل للتسلط وهو التسيب او عدم الأهلية مما يوجب اقصائه ايضا .. اذن من الواضح ان السلطة الأرقي هي لاعب سيرك ماهر يسير على حبل رفيع مشدود ما بين التسلط والتسيب!

نحو نظرة اعمق لقيمة الحرية
الحرية المطلقة حلم اجمل .. لكنه للأسف مستحيل .. خاصة في ظل وجود تعقيدات مجتمعية واعتبارات مشتركة وإرادات مختلفة بطبيعتها .. كل القوانين والفلسفات حاولت جاهدة التوصل الى صيغة كونية يتم من خلالها إرضاء الجميع وتحقق حرية الجميع .. وفشلت واتوقع ان تفشل ومصدر الفشل ليس متعلقا بخلل في الحرية بل هو متعلق بطبيعة النزاع والإختلاف البشرية .. حتى يوتوبيا افلاطون وتوماس مور وغيرهم لم تنجح في منح ايقونة الحرية المطلقة للجميع لاستحالتها.
لكن يبقى هناك الحد الأدنى من التوافق والمواءمة وهو ما يسمى بالحرية المسئولة .. والتي تعني في ابسط تعريفاتها هو ممارسة حريتك بما لا يتقاطع او يتعارض مع حريات الآخر .. والجميع انا وانت والآخر وحرياتنا هي قيد تنظيم وانصهار ببوتقة تسمى القوانين العامة التي تم الموافقة عليها سلفا من قبل اغلبية واعية .. بينما التمرد رغم كونه قيمة تؤرق دوما اي سلطة مهما بلغ كمالها حقا اصيلا للذات الواعية بل وعامل تميز ودافع للإبداع .. ولكن شريطة ان لا تتحول الى فوضوية وعامل هدم .. هدم للذات قبل الآخرين. .

الى درويش .. متأخراً جداً كما يليق بلاعب نرد غير محترف!



أحمد الخيّال
19/9/2009


درويش..
منذ ان فارقتنا جسدا وانا لا اجرؤ على رثائك او الكتابة لك برغم إخلاص الكلمات لي دوما في الحضور ..
كلاعب نرد غير محترف كنت استمع لك دوما .. مرة واحدة عينا لعين .. ولامنتهى مرات عبر كل وسيلة ميديا متوفرة .. والآن .. حيث تعانق العدم .. دون تموجات للياسمين او ألق لزنابق طرزت بها وشاحك الشعري الحريري المجعد بالألم .. لم أعد اجد بنفسي سوى احمد الزعتر / احمد العربي .. يعانق وحدته بالخندق !

ليس لي أيُّ دور بما كُنْتُ
أو سأكونْ ...
هو الحظُّ . والحظ لا اسم لَهُ
قد نُسَمِّيه حدَّادَ أَقدارنا
أو نُسَمِّيه ساعي بريد السماء
نُسَمِّيه نجَّارَ تَخْتِ الوليد ونعشِ الفقيد
نسمّيه خادم آلهة في أساطيرَ
نحن الذين كتبنا النصوص لهم
واختبأنا وراء الأولمب ...
فصدَّقهم باعةُ الخزف الجائعون
وكَذَّبَنا سادةُ الذهب المتخمون
ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال
هو الواقعيُّ علي خشبات المسارح ِ

هي خطيئة شائعة ان يتم اختزال شاعر في قصيدة .. ثم ان يتم إختزال شاعر وقصيدة في مقطع .. تماما كما ( لن ) افعل الآن ..
لاعب النرد .. من قصائد درويش المتأخرة زمنيا المتقدمة قيمة وحرفية وصدقا، يسطع بصورة رئيسة بها تكنيك مميز لدرويش في اللجوء الى التعبير الشعري عن طريق ما يسمى بمجامع الكلم اي تلك المقولة القائمة بذاتها والتي تحاول التفسير او الوصف وتدعي قدرتها على الصمود امام طبيعة يتميز بها الزمن وهي النسيان ..

المقدس .. والآخر .. ووهم الإنعتاق .. بدت افكار تلح في كلمات درويش المتأخرة بجرأة مغلفة ببراعة المجاز الشعري ومتمترسة بسيّال وحشي من اللذة الشعريّة الحقيقية بينما كان الموت والوحدة كمترادفان يشكلان إطار اللوحة في المنفى الدافيء ..

نعم درويش .. من سوء حظ المؤلف ان الخيال هو الواقعي على خشبات المسارح .. ومن سوء حظك انت ان الخيالي هو واقعي تحت الركام بينما الممكن هو خيالي بوعي ودهشة الآخرين .

للإستماع الى ( لاعب النرد ) بصوت واداء درويش وهي بالمناسبة تجربة أخرى وتفردا آخر له تميز به عن طريق ادائه التخيلي وطريقة مخارج الفاظه التي تضيف للكلمة الصماء بعدا إضافيا يتجاوز بالنص حد الكمال !

 



السبت، 8 أغسطس 2009

الله في حقيقته هو الإنسان

مقدِّمة في ضرورة ممارسة الوعي الكوني 

أحمد الخيّال

8/8/2009

فكرةُ الإله (أو الآلهة) فكرةٌ تطورتْ بتطور العقل البشري على امتداد الزمن، بدءًا من تقديس الظواهر الطبيعية ومحاولة استرضائها بتقديم القرابين وإقامة الطقوس الدينية السحرية. وكلما ارتقى الجنسُ البشري قليلاً على سلَّم المعرفة تطورتْ معه فكرتُه عن الإله وشكلُ علاقته به: فمن الطوطمية، إلى التعددية (مجمع الآلهة الإغريقي، مثلاً)، إلى بذور فكرة التوحيد الفرعونية (ممثلةً في أخناتون وعبادة "آتن" الشمسية)، وأخيرًا وليس آخِرًا، الإله في طبعته الأخيرة بنسخته الإبراهيمية.

أشواط التطور تلك في فكرة الإله، بالطبع، لم تشكِّل مراحل حادة في تميُّزها وتدرُّجها، بل تداخلتْ معها انتكاساتٌ فيها مزجٌ بين العديد من أشكال العبادة. ولكنْ بقي الأمرُ في كلِّ الأحوال مرتهنًا للثقافة والمعرفة البشرية السائدة، المحكومة بما يفرضه الزمانُ والمكان، وأيضًا الحاجةُ البشريةُ التي تحدِّد صورةَ ذلك الإله وماهيتَه بناءً على تنوع رغبات تلك الحاجة في المقام الأول. يقول فويرباخ في كتابه جوهر المسيحية:
"إن اللاهوت هو الأنثروپولوجيا، وإن ما يتبدَّى في الدين كربٍّ ليس سوى جوهر الإنسان نفسه."

بذلك تتحول عبارة إن الرب "خلق الإنسان على صورته" (سفر التكوين التوراتي) لتكون: إن الإنسان هو مَن خلق ربَّه على صورته (ڤولتير). ومعنى تلك العبارة هو أن حقيقة فكرة الإله في اللاوعي هي إرهاصاتُ تصوُّر الإنسان ذاته عن جوهره، ولكن في صورة تَعالٍ ومفارقة، تجسيدًا لكائن علوي أسماه "الرب" أو "الإله".

حسن إذن: بات واضحًا الآن أن الإنسان هو المبتدأ والمنتهى. وحتى عندما نكون في صدد تعريف أكثر أشكال الوجود تعاليًا عنه ومفارقةً له – وهو الإله – نسأل: مَن هو هذا الإنسان؟ وهل نستطيع حقًّا أن نجيب عن هذا السؤال؟

قرد أم ملاك؟
كانت هذه هي الأطروحة الأشهر منذ العصر الڤكتوري كلما طاول الحديثُ محاولةَ وضع تعريف بالإنسان يرتكن في صورة واضحة على ما اصطُلِحَ على تسميته بالأخلاق. ولعلَّه رَجْعُ صدًى لتساؤل داوود الشهير في مزموره الثامن عن ماهية الإنسان، الذي انتهى، بطبيعة الحال واتساقًا مع مساره، إلى أن الإنسان هو كائن "دون الإله قليلاً" وهو "مكلَّل بالمجد والكرامة". فهل يصلح ذلك الحكمُ الطوباوي الميتافيزيقي للحكم على الإنسان التعس، مفجِّر الحروب وصانع القنابل الذرية، السفاح المغتصب الذي "يفسد في الأرض ويسفك الدماء" (سورة البقرة 30)؟

في الواقع، جاءت النتيجة، في المقابل، أن الإنسان هو كائن أرقى من الحيوان قليلاً. و"قليلاً" تلك قد تصلح مبررًا لأكثر توجهات الجنس البشري ونشاطاته علوًّا وارتقاءً: إنه ذلك الوعي المزدوج بتجاوُر وجود القرد ووجود الملاك في الإنسان، وبمحاولة "قتل" القرد وتمثُّل صفات الملاك (أو الإله)، الذي هو في حقيقته الإنسان.


القرد (أو الشيطان) هنا يجب عدم النظر إليه على أنه موجود حقيقي أو ميتافيزيقي، وبالتالي يتطلب وجود الندِّ أو الضدِّ له، أي الإله (أو الملاك)، بينما يصبح الإنسان، كما قدَّمتْه الكتبُ المقدسة، مجرد "ميدان صراع" بين الخير والشر في اختبارٍ يستتبعُه ثوابٌ أو عقابٌ أبديان؛ بل إن هذا القرد (أو هذا الشيطان) هو ذلك الإنسان الأول، البدئي، الذي "قتله" الإنسان، أو لنقل في عبارة أكثر علمية، إنه قدتجاوَزَه ليخلق نفسه من جديد. وهذا الخلق الذاتي هو عملية تتصف بالاستمرار واللانهائية، لكنها، لسوء الحظ واتساقًا مع طبيعة الاختلافات بين البشر، تمضي دومًا في مسارات غير متساوقة، أي لا يتساوى البشر جميعًا في تحقيقها أو حتى الرغبة فيها. وهذا، في جوهره، أعمق سبب ممكن لتبرير الصراع!

عندما أعلن نيتشه موت الإله
موت الإله النيتشوي قد يكون تبشيرًا بتجسد ذلك "الإنسان الأعلى" وتحقُّقه، الإنسان الواعي بمقدراته وجوهر إنسانيته، ذلك الكائن الذي يمارس ماهيته من خلال وجود حقيقي، لا "وجود زائف" بالمفهوم السارتري، أي من خلال وعي كامل ونافذ لأعماق الوجود الشامل ولمسارات المعرفة أيضًا.

والسؤال الأكبر هو عن كيفية هذا التحقق. والجواب عنه لن أدَّعي أن تلك السطور القليلة سوف تمنحه لقارئها، كوني أؤمن يقينًا بأن جلَّ فلسفات الجنس البشري، في انكساراته أو في نقاط إشراقه، كانت محاولاتٍ لتقديم الإجابة عن هذا السؤال، في صورة أو في أخرى، واعية أو حتى غير واعية. ما يمكن لي التأكيد عليه فقط هو أن في الاهتمام لتعاطي هذا السؤال بدايةَ الطريق نحو هذا التحقق، هذاالخلق الذاتي اللانهائي من الإنسان نحو الإنسان، أي نحو نفسه.

وأنا هنا لا أتحدث عن أطروحات حالمة تتطلب من معتنقيها اهتمامًا بالآخر على حساب الذات، لا بل تفترض هذا الارتباط بالآخر في إطار علاقة تبادُل للمصلحة مبتذلة في مضمونها هي، في حقيقتها، نمط من أنماط تعبير الذات عن أنانيتها ولهاثها الأبدي وراء اجتلاب اللذة وتجنب الألم.

أنا أتحدث، أو أحاول أن أتحدث، عن وعي كوني وممارسة وجودية حقيقية ودوافع ذاتية للارتقاء تخرج بالنوع البشري من دائرة ضيقة – هي، قياسًا إلى صيرورة الوجود الكوني، "لاشيء" بالمعنى الحرفي للكلمة – نحو تمثُّل هذا الوجود نفسه والشعور الكلِّي به ومحاولة تغييره وتطويره. إنه خروج بالسبب والهدف من ابتذال قسمة ميتافيزيقية في أساسها، تتمحور حول اللذة والألم وحسب، نحو مسار وحيد صاعد ليس في داخل الوجود، بل في الوجود نفسه!

الجمعة، 25 أبريل 2008

تحليقا فوق جدران الذات: من الحريّة الى التحرر


أحمد الخيّال
الأوان 25/4/2008



في روايته ( القافز فوق الجدار ) يتساءل الكاتب الألماني شنايدر Peter Schneider عن ما إذا كانت العزلة النفسية للألمانيين سوف تنتهي حقا بانهيار الجدار نفسه ..
وتحتوي الرواية ( النبوءة ) على قدر كبير من الواقعية ومن السخرية الموجهة إلى طبيعة الحياة اليومية في شطري مدينة برلين قبل عام 1990..

وتجاوزا للراوي المجهول حتى النهاية ومع معاينة وقائع محاولات عبثية مضحكة ومبكية في آن واحد من أبطال الرواية الذين يحيلون لشخصيات ميلان كونديرا في طبيعتهم المعقدة والمركبّة فسوف ينتهي القارئ إلى تلك الحقيقة المؤلمة في صدقها :إن الكثيرين يمتلكون فرصة الاقتراب من بعضهم البعض .. فكريا أو جسديا.. إلا أنهم يخفقون في التواصل بسبب عدم معرفتهم بما سيحدث لدى الآخر من ردود أفعال أو بما يجول في أذهانهم من أفكار ورغبات .. جدران غير مرئية ..

إن الحواجز الإسمنتية التي تفصل بين الناس ليست أكثر خطورة مما يترتب عليها من آثار مدمرة تتبلور جميعها في صورة معاناة نفسية يكون أحيانا من المستحيل إزالتها من النفوس..
إنها تلك المعاناة التي ننتجها بأنفسنا عندما نخفق في تفهم الآخر ..
إنها أشياء تفصل بيننا .. على الرغم من عدم وجود حواجز مادية مرئية تبرر تلك القطيعة وهذا الإقصاء .. وهي اشد متانة ورسوخا ولا يفلح في سبيل إزالتها التفجير أو الهدم بل ( وللمفارقة ) فقط وحده هو البناء الذي يزيلها ! عزيزي القارئ ..
جرب لمرة واحدة أن تسائل نفسك ( بصدق وتجرد ) كم من جدار أقمته أنت أو على الأقل سمحت له بالانتصاب ما بينك وبين الآخر ..
بل وكم من جدار يحتل حياتك ( حياتهم ) ويقسمّها إلى لا منتهى مدن معزولة تتصارع أو على الأقل تتعاطي التجاهل و الإقصاء ..
هل تشعر بوجوده !
هل تعاني من برودة أحجاره القاسية !
هل تدرك حقا ماهيّة ذلك الجدار !
ثم ( وهو الأهم ) هل ترغب حقا في إسقاطه !

عندما تغامر بالسؤال عن الجدار .. عن وجوده وطبيعته ومدى الرغبة أو القدرة على تجاوزه .. ستكون كثيرة هي الإجابات المتوقعة .. وشحيحة إلى حد الندرة الإجابات المنتظرة .. ومراوغة التحول بين أنماط الجدران المختلفة هي نفس مراوغة الفارق الدقيق ما بين المتوقع والمنتظر !
للكلمة الواحدة مدلولات مختلفة .. تتباين بحكم طبيعة تباين الوعي وطرائق تناوله للأفكار ومفاهيمه ومنطلقاته الذاتية أو المهيمنة بحكم الارتكان على الاعتياد ..
لذلك كان ( المتوقع ) هو أن يتم التعاطي مع الجدار بوصفه خطّا دفاعيا او إفرازا ذاتيّا فطنا لتجنب شرور الآخرين أو حتى فاصل طبيعي له مبررات وجوده ما بين البشر ..
وأسباب ( المتوقع ) هنا تتجاوز ولا تعني دوما أيضا مجرد وجود قصور مفاهيمي أو حتى خلط بين تلك المفاهيم .. بل وهي حتى أعمق من مجرد جدلية يحكمها الصراع لطرائق ومناهج مختلفة للحياة وللتعاطي مع مفرداتها ..
إنها ( مع الاعتراف بضرورة التحلي بأكبر قدر من الشجاعة او الإدعاء ! ) ترجمة وانعكاس لقيمة جوهرية تتداخل في تكوين الذات الإنسانية وملحقاتها من وعي وشعور وأيضا لا شعور .. القيمة هي : الفردية والنزوح نحو الاستقلالية كأحد صور التحرر اللاشعورية.
ورغم النتيجة المدهشة التي قد نصل اليها من ان تؤدي بواعث تحررية في أصلها الى الجمود في نهايتها تحت وطأة سيّال لا يتوقف من الأدلجة والدوجما وتوهم امتلاك الحقيقة المطلقة ..
إلا ان في مجرد كشف الغطاء عن وسائل تحقق وعوامل بناء تلك الجدران غير المرئية لهو في حد ذاته ( ضربة المعول الأولى ) لهدمها ومن ثم بلوغ فضاء بلا حواجز بالنسبة للوعي والفكر البشري .

مجرد نقوش على الجدار
عندما كان أفراد النوع الإنساني يختبرون أولى خطواتهم الحبلى بالدهشة على أرض هذا الكوكب لم تكن معطيات وفروض الواقع تسمح بممارسة قدر كبير من التوحد والتمحور حول الذات .. كذلك لم تتبلور بعد الظروف الشرطية كي ينتج ذلك الوعي الوليد لذلك الموجود الاستثنائي مساراته الفكرية والاجتماعية التنظيرية او المعاشة .. كان الإنسان ربما ينعم بالبساطة غير المبتذلة والتي تعني كمون الأسئلة تحت سطوة الحاجة إلى الوجود أولا ثم ضمان استمرار هذا الوجود ثانيا.
تساقطت الفصول .. ومضى الزمان بالتوازي مع تكاثر الإنسان فتطورت أشكال وأنماط علائقه وتراكمت خبراته الواقعية ومن ثم اكتسب الوعي زخما وبدأ في تعاطي الأسئلة بل وتجرأ أخيرا فبدأ في محاولة تقديم الإجابات عنها .. الاختلاف وليد لمجتمع الوفرة .. ربما .. لكن ايضا لا يمكن الإدعاء بوجود دراسة نافذة لذلك الوعي قبل تحقق تلك الوفرة .. لكن المؤكد .. هو إمكانية قياس ذلك الفارق والتحول.

حسنا .. ما هو المعنى الذي أحاول إسقاطه من خلال تلك ( الثرثرة ) على كلمة الجدار ؟
بأكثر العبارات بساطة ووضوحا .. الجدار هو : توجهاتنا وأنساقنا الفكرية غير القابلة للمراجعة.

جرب أن تسأل احدهم عن مدى قدرته على مراجعة أفكاره ومقولاته وأرائه وان يتراجع عن بعضها او يغيرها إذا ما اتضح له خطئها ..
ستكون الإجابة ( المتوقعة ) هي نعم ..
وربما اذا أسعدك ( او أتعسك ) الحظ ووقعت في يد عقل قادر على إنتاج مبررات توجهاته والتنظير لها فسوف تنهمر عليك زخّات من تمجيد لقيم الحرية وإعلاء التعددية وقبول الآخر بل ونسبية المعرفة وتفاوت المعايير وارتهاناتها الظرفية والشرطية ..
وكل ذلك رائع ومذهل في إبداعه ومساراته لكنه للأسف يبقى ( بصورة غير واعية في اغلب الأحيان ) مجرد نقوش على الجدار !
وحتى يكتمل المشهد العبثي انتقل إلى السؤال التالي :
اخبرني عن بعض أفكارك التي قمت بتغييرها او تطويرها مؤخرا ..
اشرح لي الأسباب والآلية التي انتقلت فيها من هذا المسار إلى الآخر وعلى خلفية من تجرد ودراسة واعية ..
وأخيرا قدم لي الأسباب المنطقية التي ترتكن فيها على معايير محايدة لرفضك للآخر خارج دائرتك الفكرية ..
للأسف .. عندها غالبا سوف يرتبك الملقن ليرتجل الممثل فيغلق الستار !

من الحريّة الى التحرر
قد تبدو التفرقة ما بين الحريّة والتحرر لأول وهلة مجرد تنويع لفظي او بلاغي فارغ من المعنى وبخاصة لدى ذوات لا تستشعر مدى تقييدها برغم قدرتها على ممارسة فعل الاختيار او الاستقلال.
إلا ان في إدراك ماهية الحريّة ذاتها بوصفها ( فعلا ) وليس ( حالة ) سوف يساعد على فهم المقصود من الدفع بالإرادة والوعي البشريين إلى ذروتهما وأكثر أشكال تحققهما اكتمالا .. وهو التحرر .

يقول ليسين Le senne :( الحريّة لا تنفصل عن إرادة الحريّة ! )

والمقصود هنا ان الحريّة هي فعل .. هي مكابدة الذات من اجل تحققها في مواجهة العالم وأيضا في مواجهة الذات .. لذلك فالحريّة لا تتحقق بصورة واقعية سوى في نفس اللحظة التي تدافع فيها عن نفسها وتنزع نحو تأكيد قيمتها

وهذا نفسه ما كان يعنيه فيشته Fichte عندما قال :( ان الحريّة ليست من المعطيات الضرورية .. بل هي إنتاج تلقائي )

وهنا لا جدال أبدا في أن الحريّة ليست موضوعا قائما بذاته في مكان او زمان ما .. بل هي ممارسة .. ليست موضوعا خارجيّا .. بل هي وعي للذات بإرادتها وقدرتها على الفعل .

من هذا المنظور الأعمق ربما .. تكون الحريّة هي فعلا يتجه نحو تحقيق قيمة التحرر.. فما هو التحرر ! ساد اعتقاد أراه خاطئا أحيانا أن التحرر هو مرادف فقط للاستقلال أي الاستغناء عن الآخر وعدم الخضوع له فكرا او فعلا ..

وفي الواقع ان قيمة الاستقلال هي فقط مجرد مسار ( جوهري ) في ذروة التحرر .. كذلك هو مرتهن بمدى المكابدة والإنعتاق أي انه فعلا أيضا وممارسة أكثر منه حالة ومنتهى لممارسة الذات الواعية .. سوف أغامر بمحاولة وضع تعريف خاص .. ربما ..
التحرر هو الوصول بفعل الحريّة الى أقصى مدى ممكن له بحيث تستطيع ان تتخلى عن دائرية قيود تلك الحريّة ذاتها .. زاد الأمر تعقيدا بلا شك ..
نعود الى البداية البسيطة .. الإنسان المتحرر الذي نجح في تحقيق اكبر قدر ممكن من الاستقلال على كافة الأصعدة والذي لا يفعل أي شيء الا بناء على ما يعتقد انه إرادته الحرّة. هذه هي نموذجية حالة ( الفردانية ) أي ممارسة الذات لحريتها بصورة الأنا وبمعزل تماما عن الآخر كفرد او مجتمع او حتى ككون فيزيائيّ.

الدائرية هنا تعنى ان تتحول تلك الممارسة الصمّاء الى تنصيب الذات نفسها معيارا وقيمة مطلقة بمقابل العالم، فيتحول التمرد بوصفه فعلا ينزع نحو الحريّة الى فعل مقاومة لكل ما هو موجود بصيغته الإجماليّة دون وعي او عقلانية .. نعم .. هي الفوضى .. والتي يساء دوما استخدامها فتوصم بها كل نزعة تحرريّة في عملية تكون أشبه بالخطيئة ..
والسبب كون المعيار عنا هو الثابت والكائن والموجود ..
بينما الفوضى الحقيقية .. تكون عندما يتعارض فعل الحريّة مع قيمة التحرر .. أي ان معيارها هنا هي الحريّة ذاتها ! نعود .. تخيل معي عزيزي القارئ عالما يحوي مليارات البشر .. كل إنسان يحمل بداخله بالتأكيد رغباته وإرادته الخاصة .. وكل يسعى غالبا الى تحقيق تلك الرغبات وفرض إرادته ..

هل ستقودنا تلك السطور إلى اقتراف جريمة تقرير ان التخلى عن الحريّة الفردية شرط أساسي للوجود ! بالطبع لا .. ولكنها ربما تقودنا الى حقيقة ان وعي الفرد بتلك الجدلية المتناقضة وقدرته على مواءمتها هو التحرر الحق ..
التحرر ببساطة هو ان تؤمن فعلا ان هناك حريّة ما لدى الآخر.
التحرر هو ان لا تنصب من إرادتك ورغباتك معيارا او قيمة تواجه بها الآخر.
وهو ما سيقودنا حتما في النهاية الى ضرورة الارتكان على :هويّة إنسانية جامعة ..

يقول يونسكو Eugene Ionesco ( عندما أريد أن أروي حياتي فإنما أتحدث عن تجوال .. أتحدث عن غابة لا محدودة .. أو بالأحرى أتحدث عن تجوال في غابة لا محدودة . )

حياة كل منّا .. هي اختبار للمكن .. وتحد للمستحيل .. استكشاف لعوالم مجهولة .. ونزوع نحو وجود أفضل البعض منا لا يكترث .. البعض تمضي حياته كدفقة ماء بمسار نهر هادئ .. والبعض يعتلى حياته زبد موج هادر .. لكن المؤكد ان الجميع يمضي .. سواء أكمل تجواله بمفهوم صاحب المغنية الصلعاء ام لم يكمله ..
ما الفارق؟
وهل أصلا سيغير من الأمر شيئا وجود فارق؟
في الواقع ان هذا ربما كان من اقسي الأسئلة التي يمكن لوعي ملحد أن يتعاطاه ويحاول الإجابة عليه .. فمع وجود المنظومة الدينية .. مع اليقين بوجود كائن علوي يراقب ويدخر المكافأة او العقاب .. كان هناك على الأقل جدوى من أن يكون هناك فارق .. من أن تحاول أن تكون نهرا متدفقا عوضا عن ان تكون بحيرة آسنة .. ولكن الآن ..
وعلى خلفية من مشهد يائس ينتمي لمسرح العبث ويكون ملقنه هو حتمية الفناء .. ما الذي قد يصلح أن يكون دافعا !
وهل حقّا الإنسان بحاجة إلى وجود قيمة ( ما ) كدافع للتطور والارتقاء ومن ثم ضمان وجوده هو نفسه في حقيقة الأمر !